العيون تجانب الأقذاء
خبر القصيدة
نظم الشريف الرضي هذه القصيدة في رثاء أبي الفتح، ابن الخليفة الطائع للّه، ويعزي فيها الخليفة ويمدحه، وذلك في سنة ست وتسعين وثلاثمائة.
شروح وردت مع الخبر: القناة. أمالته-الخابطون: الذين يخبطون الشجر بعصيهم. تبرز في البيت صورة قائمة على مراعاة النظير، كما ينتقل، في البيت التالي، الى مخاطبة الميت عن طريق الالتفات. اللجام.
- ١أيّ العيون تجانب الأقذاء،أم أيّ قلب يقطع البرحاء
في المعجم: البرحاء
شرح
البرحاء: شدّة الأذى، الألم.
- ٢والموت يقنص جمع كلّ قبيلة،قنص المريع جآذرا وظباء
في المعجم: المريع
شرح
المريع: المخيف، المفزع-جآذر، جمع جؤذر: ولد الظبي، وفي البيت إشارة الى أن الموت يأخذ الكبير والصغير.
- ٣يتناول الضّبّ الخبيث من الكدىويحطّ من عليائها الشّغواء
- ٤تبكي على الدّنيا رجال لم تجدللعمر من داء المنون شفاء
- ٥والدّهر مخترم تشنّ صروفه،في كلّ يوم، غارة شعواء
- ٦إنّا بنو الدّنيا تسير ركابنا،وتغالط الإدلاج والإسراء
- ٧وكأنّنا في العيش نطلب غاية،وجميعنا يدع السّنين وراء
- ٨أين المقاول، والغطارفة الأولىهجروا الدّيار، وعطّلوا الأفناء
- ٩فاخلط بصوتك كلّ صوت واستمعهل في المنازل من يجيب دعاء
- ١٠واشمم تراب الأرض تعلم أنّهاجرباء تحدث كلّ يوم داء
- ١١كم راحل ولّيت عنه، وميّترجعت يدي من تربه غبراء
- ١٢وكذا مضى قبلي القرون يكبّهمصرف الزّمان تسرّعا ونجاء
- ١٣هذا أمير المؤمنين، وظلّهيسع الورى، ويجلّل الأحياء
- ١٤نظرت إليه من الزّمان ملمّة،كاللّيث لا يغضي الجفون حياء
- ١٥وأصابه صرف الرّدى برزيّة،كالرّمح أنهر طعنة نجلاء
شرح
أنهر: وسّع-نجلاء: واسعة.
- ١٦ما ذا نؤمّل في اليراع، إذا نشتريح تدقّ الصّعدة الصّمّاء
شرح
اليراع: القلم، القصب-نشت: عاودت مرة بعد أخرى-الصعدة:
- ١٧عصف الرّدى بمحمّد ومذمّم،فكأنّما وجد الرّجال سواء
- ١٨ومصاب أبلج من ذؤابة هاشمولج القبور وأزعج الخلفاء
- ١٩وتر الرّدى من لو تناول سيفه،يوما، لنال من الرّدى ما شاء
شرح
وتره: أصابه بمكروه. أي أن الموت نال ممن لو تناول سيفه لتحدّى الموت.
- ٢٠غصن طموح عطّفته منيّةللخابطين، وطاوع النّكباء
شرح
غصن: كناية عن أن الفقيد كان ما يزال في ريعان العمر-عطفته:
- ٢١يا راحلا ورد الثّرى في ليلةكاد الظّلام بها يكون ضياء
- ٢٢لمّا نعاك النّاعيان مشى الجوىبين القلوب وضعضع الأحشاء
- ٢٣واسود شطر اليوم ترجف شمسهقلقا، وجرّ ضياؤه الظّلماء
- ٢٤وارتج بعدك كلّ حيّ باكيا،فكأنّما قلب الصّهيل رغاء
- ٢٥قبر تشبّث بالنّسيم ترابهدون القبور، وعقّل الأنواء
- ٢٦تلقاه أبكار السّحاب وعونها،تلقى الحيا، وتبدّد الأنداء
شرح
أبكار السحاب: السحب الغزيرة في أول هبوطها-العون: التي في نصف عمرها. يستمطر، في هذا البيت وفي البيت الذي يلي، الغيث على الطريقة التقليدية.
- ٢٧متهلّل الجنبات تضحك أرضه،فكأنّ بين فروجه الجوزاء
- ٢٨أولى الرّجال بريّ قبر ماجدغمر الرّجال تبرّعا وعطاء
- ٢٩ولو انّ دفّاع الغمام يطيعنيلجرى على قبر اللّئيم غثاء
- ٣٠لا زال تنطف فوقه قطع الحيا،بمجلجل يدع الصّخور رواء
- ٣١وتظنّ كلّ غمامة وقفت به،تبكي عليه تودّدا وولاء
- ٣٢وإذا الرّياح تعرّضت بترابه،قلنا السّماء تنفّس الصّعداء
- ٣٣إيها تمطّر نحوك الدّاء الّذيقرض الرّجال وفرّق القرباء
- ٣٤إنّ الرّماح رزئن منك مشيّعا،غمر الرّداء مهذّبا معطاء
- ٣٥وطويل عظم السّاعدين كأنّمارفعت بعمّته الجياد لواء
- ٣٦ولقين بعدك كلّ صبح ضاحكيوما أغمّ وليلة ليلاء
- ٣٧أنعاك للخيل المغيرة شزّباواليوم يضرب بالعجاج خباء
- ٣٨ولخوض سيفك والفوارس تدّعيحربا يجرّ نداؤها الأسماء
- ٣٩وغيابة فرّجتها، ومقامةسدّدت فيها حجّة غرّاء
- ٤٠وخلطت أقوال الرّجال بمقولذرب كما خلط الضّراب دماء
- ٤١ومطيّة أنضيتها، وكلاكماتتنازعان السّير والإنضاء
- ٤٢إنّ البكاء عليك فرض واجب،والعيش لا يبكى عليه رياء
- ٤٣بأبيك، يطمح نحو كلّ عظيمةطرف تعلّم بعدك الإغضاء
- ٤٤فاسلم أمير المؤمنين، ولا تزلتجري الجياد وتحرز الغلواء
- ٤٥فإذا سلمت من النّوائب أصبحتترضى، ونرضى أن يكون فداء
- ٤٦ولئن تسلّطت المنون لقد أتتما ردّ لوم اللاّئمين ثناء
- ٤٧وهبت لنا هذا الحسام المنتضىفينا، وهذي العزّة القعساء
- ٤٨نهنهت بادرة الدّموع تجمّلا،والعين تؤنس عبرة وبكاء
- ٤٩فاستبق دمعك في المصائب واعلمنأنّ الرّدى لا يشمت الأعداء
- ٥٠وتسلّ عن سيف طبعت غرارهوأعرت شفرته سنا ومضاء
- ٥١والصّبر عن ولد يجيء بمثلهأولى، ولكن نندب الآباء
- ٥٢فلقد رجعت عن المطيع بسلوةمن بعد ما جرت الدّموع دماء
- ٥٣والابن للأب إن تعرّض حادث،أولى الأنام بأن يكون وقاء
- ٥٤وإذا ارتقى الآباء أمنع نجوة،فدع الرّدى يستنزل الأبناء
- ٥٥ورد الزّمان به وأورده الرّدىبغيا، فأحسن مرّة، وأساء
- ٥٦ورمى سنيه إلى الحمام، كأنّماألقى بها عن منكبيه رداء
- ٥٧فلتعلم الأيّام أنّك لم تزلتفري الخطوب، وتكشف الغمّاء
- ٥٨خضعت لك الأعداء يوم لقيتهاجلدا تجرّد للمصاب عزاء
- ٥٩وتمطّت الزّفرات، حتى قوّمتضلعا على أضغانها عوجاء
- ٦٠ومضاغن ملآن يكتم غيظهجزعا، كما كتم المزاد الماء
شرح
مضاغن: حاقد-المزاد: الراوية.
- ٦١متحرّق، فإذا رأتك لحاظهنسيت مجامع قلبه الشّحناء
- ٦٢وأما وجودك، إنّه قسم لقدغمر القلوب وأنطق الشّعراء
شرح
أما: أمّا مخفّفة للضرورة.
- ٦٣وأنا الّذي واليت فيك مدائحا،وعبأت للباغي عليك هجاء
شرح
عبأت: هيّأت.
- ٦٤ونفضت إلاّ من هواك خواطرينفض المشمّر بالعراء وعاء
شرح
العراء: المكان المتسع لا ستر فيه.
- ٦٥فاسلم، ولا زال الزّمان يعيرنيطمعا يمدّ إلى نداك رجاء
حواشٍ أخرى (٢١)
- (1) الضب: حيوان من الزحافات شبيه بالحرذون وذنبه كثير العقد، ومن أمثالهم: «أعقد من ذنب الضب»، وتقول العرب «لا أفعله حتى يرد الضب» لظنهم أن الضب لا يرد الماء-الكدى: الأرض الصلبة- الشغواء: العقاب. أي أن الموت لا ينجو منه أحد، فهو يتناول الضب السائح في الأرض الصلبة، وينزل العقاب من عليائه. ونشير هنا الى أن في قوله نوعا من الكدّ الشعري لا يتلاءم والمناسبة.
- (2) الإدلاج: السير أول الليل-الإسراء: سير الليل كله.
- (3) المقاول: الملوك، ألقاب ملوك حمير-الغطارفة: السادة.
- (4) يكبّهم: يصرعهم-النجاء: السرعة. وقوله: تسرّعا ونجاء فيه إضافة المعنى إلى نفسه وتكرار للفكرة الواحدة بلفظين مختلفين، وذلك من أجل إكمال البيت وحفاظا على القافية.
- (5) ملمّة: مصيبة. وتشبيه الخليفة بالأسد الثابت، في العجز، إشارة إلى أن المصيبة لم تنل من عزمه.
- (1) الدفاع: السيل العظيم-الغثاء: ورق الشجر يجرفه السيل.
- (2) تنطف: تسيل-المجلجل: الغيم الراعد.
- (3) يعطي الشاعر هنا صورة تكاد تكون جديدة، إذ يجعل الرياح التي تذري التراب فوق قبر الميت نوعا من التنفس الذي معه تعبر السماء عن رضاها.
- (4) تمطّر: أسرع.
- (5) كان سادات العرب يجعلون من عمائمهم ألوية، أو يتعممون باللواء في القتال.
- (6) الليلة الليلاء: الشديدة الظلمة.
- (7) شزّبا: ضامرة-العجاج: الغبار.
- (8) الغيابة: الغامضة الخفية-غرّاء: واضحة جلية، مشرقة.
- (9) المطية: كل ما يمتطى ويركب-أنضيتها: جعلتها هزيلة-الانضاء:
- (1) الغلواء: الشباب، الفوز.
- (2) العزة القعساء: العزّة الثابتة.
- (3) نهنهت: كففت-تؤنس: تحس، تذرف.
- (4) غراره: حدّه-سنا: لمعانا.
- (5) النجوة: المرتفع من الأرض.
- (6) سنيه: جمع سنة-الحمام: الموت.
- (7) تمطّت: امتدّت.